ذكريــــاتٌ في حيــاتــــي

ارسل الموضوع الجديد   رد على الموضوع

صفحة 1 من اصل 3 1, 2, 3  التالي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

ذكريــــاتٌ في حيــاتــــي

مُساهمة من طرف ياسين مبارك الفاضل في السبت يونيو 28, 2008 9:56 pm

بسم الله الرحمن الرحيم
قمت بكتابة ذكرياتٍ في حياتي قبل فترةٍ ونسبة لطلب كثيرٍ ممن اطَّلع عليها أن أمُده بنسخةٍ منها ولذا أجدُ في هذا المنتدى فرصةً سانحةً ليطَّلع عليها كل من يتصفح في هذا المنتدي .
ونسبه لطول هذه الذكريات سأقوم بين الحين والآخر بكتابة جزءِ يسيرِ منها . وبالله لتوفيق .

"ذكريــــــــــــاتٌ في حيــــــــــــــــــاتي"

لا أعرف اليوم الذي وُلدِّتُ فيه ولا السنه التي وُلدِّتُ فيها , لكنه كان في العقد الأخير للإستعمار البريطاني أوبالأحرى بعد عام 1946م الذي حدث فيه أكبر فيضانٍ في السودان بفترةٍ تطول أو تقصر.
كل ما أذكره أنني عندما فتحت عينيَّ وجدَّتُ نفسي في بيتٍ صغير من القش يسمى ( قطية) في الواجهة الشرقية لقرية الدناقلة شرق مدني بحي او بالأصح بفريقٍ يُدعى ( فريق العايداب ) رغم أن قاطنيه قاطبتهم ( عبابدة ) وليسوا ( عايداب ) وهم أبناء وأحفاد " شيخ محمد عبد الرحمن حمزة عبادي " عليه رحمة الله . ويبدو أن الحي أو الفريق قد نُسب لقبيلة والدة جدي " شيخ محمد".
ُوُلدَّتُ لوالدين كريمين - أطال الله عمر الوالدة , وتغمد الوالد بواسع رحمته - تزوجا وهما في مقتبل الشباب , تعدى الوالد سن الخامسة عشر بقليلٍ بينما لم تبلغ الوالدة ذلك السن , في زواجٍ جماعيٍ كان يسمى بـ ( الكورة ) والذي كان راعياً له والدنا الجليل " محمد نور " عليه رحمة الله. وكان من الذين تمَّ تزويجهم الأعمام عبد الله الحسين عليه رحمة الله , عبد الرحمن عبد القادر بانقا , قسم مرحوم , بابكر محيسي , الطيب دفع الله عبد الله , والخال بابكر محمد علي يوسف أمدَّ الله في اعمارهم.
والدي مبارك هو الابن الأكبر لجدي الفاضل عليه رحمة الله والذي كان أيضاً الابن الأكبر لجدي الثاني شيخ محمد . كانت أسرة جدي الفاضل أكثر الأسر إعتدالاً وقبولاً وحباً في القرية من بين أسر العبابدة الذين عرفو بالمهابة والرهبة . وقد ضم جدي الفاضل والديه إليه عند كبرهما , أو لربما هما اللذان اختارا الإنضمام إليه لما أشرت إليه آنفاً .
كانت جدتي لأبي "عائشة بنت الحسين " عليها رحمة الله , وديعةً هادئةً , لا تسمع لها صوتاً كشقيقها " علي الحسين " عليه رحمة الله . كانت جدتي طيبه المعشر من "أسرةٍ كريمةٍ فاضلةٍ , لم تخظئ طوال حياتها على أحد وذهبت لربها نقيةً بيضاء .
أما جدي الفاضل فقد كان فيه خليطٌ من الحنَّية والشِدَّة .كان عالي الصوت سريع الأنفعال عكس جدتي تماماً والتي إشتهرت بالصبر وطول البال . كان جدي طويلا نحيفاً كشقيقه بابكر - أمد الله في عمره - واللذان إكتسبا هذا الطول من والدهما . كان جميع أهل القرية ينادونه بـ " ابوي الفاضل" , وكان كل طفلٍ عاصٍ متمردٍ وعنيدٍ يُخَوَّف بإستدعاء جدي له لينال جزاءه من العقاب , إذ كان مُهاباً لدى الاطفال.
يتبع :


عدل سابقا من قبل ياسين مبارك الفاضل في الأحد يونيو 29, 2008 11:53 am عدل 1 مرات

ياسين مبارك الفاضل
عضو نشيط

عدد المساهمات : 25
سجّل في : 28 يونيو 2008
العمر : 59
بلد الإقامة : المملكة العربيه السعودية_ الرياض ( الخرج )
الإسم الكامل : ياسين مبارك الفاضل

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: ذكريــــاتٌ في حيــاتــــي

مُساهمة من طرف Mohamed في السبت يونيو 28, 2008 10:06 pm

أهلا و مرحبا بكم العم يس في منتداكم العامر,
ونحي فيكم هذه الافتتاحية الراقية و التي جعلتنا نتعرف على أب جديد في منتدى الدناقلة بكلمات عفوية و معبرة,
ونتمنى أن تكون سندا و عونا لأعمامنا الكرام في المنتدى لتوثيق حياة و تاريخ القرية في الزمان المنصرم,

ودمت ذخرا للقرية و منتداها,

Mohamed
المدير العام

عدد المساهمات : 328
سجّل في : 19 فبراير 2008
العمر : 25
بلد الإقامة : ماليزيا
الإسم الكامل : محمد عبدالجبار أحمد الياس

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

تــابع : ذكريــاتٌ في حياتي

مُساهمة من طرف ياسين مبارك الفاضل في الأحد يونيو 29, 2008 11:51 am

والدتي رقيَّة هي الابنة الصغرى لجدي عبد الحفيظ إبراهيم محمد الخير عليه رحمة الله , والذي غلب عليه اسم المحسي-والدتي رقيَّة هي ابنته من زوجته الأولى جدتي فاطمة بنت يوسف عليها رحمة الله والتي غلب عليها إسم " بت ستنا " . وكانت جدتي تلك جوادةٌ , كريمةٌ , طيبةٌ , معطاءةٌ, , ما دخل بيتها أحدٌ ممن تعرف وممن لا تعرف إلا وقامت بواجب الضيافة تجاهه رغم وحدتها وكبر سنها ,إلاَّ أنها إشتهرت بكثرة الكلام عكس جدي عبد الحفيظ الذي كان هادئاً سكوتاً.
كان جدي عبد الحفيظ عابداً ورعاً تقَّياً صوَّاماً قوَّاماً في زمان جهل ما عرف فيه الناس غير السفاهة والعربدة . كان المصحف لا يفارقه في حله وترحاله , يقرأ القرآن ليل نهار رغم أنه كان أميَّا . وما يدل على ميوله الدينية أنه كان الشخص الأوّل بالقرية أو لربما الثَّاني الذي حرص أن يدرس إبنه زين العابدين أمد الله في عمره بالمعاهد العلمية في ذلك الزمان . ولك الحق أن تتمعن في اختياره لأسماء أولاده وبناته . وكان فوق ذلك رغم كبرسنه رجلاً كادحاً نشطاً صلباً ماهراً يجيد ويتقن صنعة كل شيء , ويشهد له بذلك كل من خبره وعمل معه أو كما يقول خالي زين العابدين " نحن أناسٌ نجيد الكرب والزرب " .
كان بحراً من الحنان والعطف . رغم أننا أحفاده وجدنا المتعة بزيارة جدتنا "بت ستنا " ومؤانستها طوال حياتها إلا أننا لم نجد الزمن الكافي لننهل من حنانه وعطفه الكبير , إذ ارتحل من قرية الدناقلة مع زوجته الثانية " بنت الطريفي " رحمه الله عليها هو والخليفة عبد الغفار عليه رحمة الله مرافقين للشريف عمر يوسف الهندي عليه رحمه الله , إذ كانا من الموالين المخاصين لآل الشريف الهندي واستقرا بـ " راما " حيث أقاما مع الشريف فترةً طويلةً هنالك ولم يعودا إلي القرية إلا بعد عودة الشريف عمر إلى حلة حسن " مارنجان " , لكن زوجة جدي الثانية وُوريت الثرى هنالك دون أن تنجب منه ثم تزوّج امرأةً ثالثةً بود العجيل .
عاد جدي ألي القرية بصحبة زوجته الثالثة " الرسالة موسي " عليها رحمة الله , والتي كان يناديها جدي بـ " الشريفية " وصار إسماً ملازماً لها طوال حياتها . عاد جدي إلي القرية بصحبة زوجته وبناته الثلاث , ثم رزق بالقرية بثلاثةٍ من الذكور , تماماً كما كان عنده من جدتنا " بت ستنا " . لكننا أيضاً لم ننعم بلقياه كثيراً , إذ آثر العمل بفبارك الحصاحيصا دون الجلوس في القرية للعمل فقط في موسم الخريف رغم الدعم المادي الذي كان يصله كل شهرٍمن خالي حامد أمدَّ الله في أيامه . وكان لا يرجع إلي الدناقلة إلاِّ كل اسبوعين أو كل شهرٍ .
جدي عبد الحفيظ واحدٌ من اولئك النفر الذين تمنيت لو أمد الله في أعمارهم , فكما قلت آنفاً كان بحراً من الحنان والعطف والرحمة لم ننهل منه كثيراً لنطفيء ظمأنا . إن نسيت لا أنسى ضماته الحنينة لنا وهو يعانقنا ويحتضننا طويلاً إلي صدره عندما نأتي لنصافحه أو يصافحنا وهو يسأل عن صحتنا و أحوالنا بشوقٍ عميقٍ . مشهدٌ لا يمكنك تصوره وتخيله إن لم تشهده أنت بنفسك أو تكن ذلك المصافح أنت .

ياسين مبارك الفاضل
عضو نشيط

عدد المساهمات : 25
سجّل في : 28 يونيو 2008
العمر : 59
بلد الإقامة : المملكة العربيه السعودية_ الرياض ( الخرج )
الإسم الكامل : ياسين مبارك الفاضل

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: ذكريــــاتٌ في حيــاتــــي

مُساهمة من طرف محمد الامين في الأحد يونيو 29, 2008 12:05 pm

شكرا للإستاذ / ياسين على هذة الذكريات الجميله ، واتمني المواصله والاستمرار فى الكتابة بالمنتدي لتعم الفائده للجميع ،

محمد الامين
مشرف المنتدى الاسلامي

عدد المساهمات : 288
سجّل في : 09 أبريل 2008
بلد الإقامة : الرياض
الإسم الكامل : محمدالامين احمد محمد الحاج

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: ذكريــــاتٌ في حيــاتــــي

مُساهمة من طرف عمر محمد أحمد صديق في الأحد يونيو 29, 2008 2:28 pm

لك التحية والتقدير ياسين, وأحسب ذكرياتك ستكون إضافة حقيقية لتوثيق فترة هامة من تاريخ القرية. سنتابع الحلقات بتشوق كبير.

عمر محمد أحمد صديق
مشرف المنتدى التوثيقي

عدد المساهمات : 90
سجّل في : 20 مارس 2008
العمر : 53
بلد الإقامة : بريطانيا

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: ذكريــــاتٌ في حيــاتــــي

مُساهمة من طرف ابو الزعيم في الأحد يونيو 29, 2008 6:28 pm

لك التحية عمنا ياسين على العمل الرائع وهو كما ذكر بانه اضافة لهذا المنتدى ... نتمنى لك الصحة والعافية ونرجو امتاعنا بهذه الزكريات الجميلة
ولك خالص الود
انت لو عاجباك نفسك
نحن برضو العزه فينا

ابو الزعيم
المشرف العام

عدد المساهمات : 249
سجّل في : 23 أبريل 2008
العمر : 36
بلد الإقامة : sudan
الإسم الكامل : خالد الياس احمد الياس

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: ذكريــــاتٌ في حيــاتــــي

مُساهمة من طرف crash في الإثنين يونيو 30, 2008 11:43 am

لك التحية العم ياسين وانت تضيف بعض من ذكرياتك للمنتدى لتزيده رونقاً واشراقاً...
نفس القطارات والسكك ... يوم مقبلة ويوم مدبرة

crash
مشرف منتدى حواء

عدد المساهمات : 423
سجّل في : 18 مارس 2008
العمر : 17
بلد الإقامة : sudan
الإسم الكامل : رشا عبد الجبار أحمد الياس

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

ذكريـــاتٌ في حيــاتي

مُساهمة من طرف ياسين مبارك الفاضل في الإثنين يونيو 30, 2008 12:06 pm

تــــابع:
والدتي الحاجة رقية لم تنل قسطاً من التعليم , حيث لم تكن هنالك مدارس للبنات في جميع أرجاء الوطن في ذلك الزمان إلاَّ في مدينتي رفاعة وأم درمان , وحتى مدارس الأولاد كانت شحيحةً ونادرةً وتعليم الأولاد كان مستهجناً ومستنكراً في ذلك الوقت , لما قيل فيه من لغطٍ كثيرٍ, فما بالك بتعليم البنات .
أما والدي الحاج مبارك فقد درس بخلوة الفكي عبد الله عليه رحمه الله بالقرية حيث حفظ أجزاءً من القرآن الكريم وتعلم القراءة والكتابة ثم التحق بمدرسة الشبارقة الأولية واكتفى بإكمال تلك المرحلة حيث لم يكن التعليم بالمرحلة المتوسطة والتي كانت تسمى بالمرحلة الإبتدائية منتشراً في ذلك الوقت , وكان محصوراً في بعض المدن القليلة بالسودان لأبناء الأعيان والجاه ورموز الإدارة الأهلية إبِّان العهد الإستعماري البريطاني .
كان الوالد أثناء دراسته بالخلوة والمرحلة الأولية من النوابغ والمتفوقين حيث كان دوماً الأوَّل على أقرانه ودفعته . نشأ والدي منذ صغره مستقيماً عفيفاً ما ارتكب حراماً ولا عاقر خمراً كوالده تماماً في زمنٍ كان أشبه بالجاهلية يفاخر ويجاهر فيه الناس بالمعاصي من زنا وشرب خمرٍ ولعب قمار . كان أبي يترفَّع عن تلك السواقط ويتأفَّف منها , حتى التمباك " الصعوت " الذي كان يستعمله الكثير كنوعٍ من الكيف والمنبهات , كان أبي يتقزَّز منه . كل ما لاحظته على أبي وفي المناسبات السعيدة فقط تقبُّله لسيجارة يقوم بتدخينها . كان أبي ملتزماً محافظاً على صلواته وقراءة القرآن الذي يقوم بتلاوته كل صباحٍ من بعد صلاة الفجر الى شروق الشمس وبالأخص سورة "يس". كان والدي واعياً متحرراً لا يؤمن بالخرافات والخزعبلات والشعوذة والتبعية العمياء لما يُسمَّى بأسيادٍ و أشرافٍ وشيوخٍ , وكان يحذرَّني بألاَّ أُعوِّل عليهم عندما تدعو لي أمي وتتوسَّل بهم , وكان معجباً بتحرُّر خالي زين العابدين ووعيه.
وأود أن أشير أن التعليم بالمدارس الأولية أوانذاك كان قوياً وشامخاً , وخريجو المدارس الأولية في ذلك الزمان أفضل بكثيرٍ من خريجي المدارس الثانوية والجامعات في هذا الزمان ,لثقافتهم العالية وإلمامهم بكل شيءٍ
.

ياسين مبارك الفاضل
عضو نشيط

عدد المساهمات : 25
سجّل في : 28 يونيو 2008
العمر : 59
بلد الإقامة : المملكة العربيه السعودية_ الرياض ( الخرج )
الإسم الكامل : ياسين مبارك الفاضل

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: ذكريــــاتٌ في حيــاتــــي

مُساهمة من طرف الامام في الإثنين يونيو 30, 2008 5:38 pm

لك كل تقدير فى هذة الذكريات التى ستكون تاريخا بجانب التاريخ الذى يقوم به الاخ عمر (موثق تاريخ الدناقله ) نتمنى لكم التوفيق جميعا ووفقكم الله فى اثراء المنتدى بارائكم الشيقه التى تذيده القا وابداعا يضاعى المنتديات الاخرى

الامام
عضو فعال

عدد المساهمات : 98
سجّل في : 02 يونيو 2008
العمر : 47
بلد الإقامة : الدناقله
الإسم الكامل : الامام الامين الحسين حاكم

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

ذكريــــــــاتٌ في حيــاتي

مُساهمة من طرف ياسين مبارك الفاضل في الثلاثاء يوليو 01, 2008 10:37 am

تــــــابع:
عمل الوالد بعد إنهاء مرحلة الدراسة مساعداً لوالده في الزراعة التي تكون في موسمين : زراعة الذرة في موسم الأمطار الذي يُسمَّى بالخريف بالأراضي الطينية شرق القرية والتي تصاحبها زراعة " البُقَر " بأطراف القرية التي يزرع فيها البطيخ و "التبش" و " العنكوليب " . ثم بعد موسم الخريف تأتي زراعة الجروف و "المِقِي "على ضفاف نهر النيل الأزرق .
يزرع بـ " المِقِي " على الأراضي الرملية بالضفة الغربية البطيخ والشمَّام و " العجور " ويُعبر لها بمعدية القرية وقوراب صيد السمك الصغيرة أو بما يسمى بـ " طرور" وهو نباتٌ أشبه بالفلِّين يُربط بخيوطٍ أو حبالٍ في شكل عبَّارةٍ صغيرةٍ . وهناك من يخوض النهر أو يسبح للضفة الأخرى عند انحسار النيل الشديد . أمَّا الجروف بالضفة الشرقية للنهر فقد كان يُزرع على أراضيها الطينية الخصبة والتي يُطلق عليها اسم " قِرِير" محاصيل وخضروات متنوعة ومتعدِّدة . وكان معظم ما يزرع للإستهلاك المحلي والشخصي لا للتجارة والبيع .
كانت الزراعة في ذلك الزمان هي العمل السائد للجدود والآباء والشباب , لكن الشباب آثروا أن يحصلوا على وظائف دائمة بالدولة تكون مصدر رزقٍ ودخلٍ دائمٍ لهم , فلجأ كثيرٌ من أبناء القرية للإلتحاق بالشرطة أو البيطرة , وكان والدي من أولئك الذين اختاروا الإلتحاق بالبيطرة حيث عمل بمدينة ود مدني بعد زواجه لأنني لم أكن أراه كثيراً كأمي وأنا في سنواتي الأولى .
كان العاملون بالبيطرة يرتدون زياً اشبه بالزي العسكري , وعندما يأتينا والدي بذلك الزي الرسمي , أي ببذته العسكرية , كنت أراه كضابطٍ أو كجنرالٍ عظيمٍ , وكان ابي يومها شاباً وسيماً أنيقاً عليه علامات الصحة والعافية .
كثيرٌ من الشباب الذين انخرطوا في الشرطة والبيطرة هجروا الزراعة لكن بعضهم ومنهم الوالد مازال مرتبطاً ومتعلِّقاً بها إلى انتقاله للرفيق الأعلى , إذ كان ينسِّق ويرتِّب أن تكون إجازته وعطلته السنوية دائماً في موسم الخريف . كان أبي يعشق الزراعة والخريف فهي تجري في عروقه كجريان الدم , وما أن تهب رياح الخريف الأولى , وتنبعث نسمات الدُّعاش التي تعلن هبوط الغيث إلاَّ اشرأبَّ برأسه يعلن أين هبط ذلك الغيث حتى ولو كان في مكانٍ بعيدٍ . ومن حبه للزراعة فقد قام أبي بشراء أراضي زراعيةٍ كثيرةٍ وشاسعةٍ بمنطقة القرية من الشيخ دفع الله حمد النيل من أهالي أبي حراز عليه رحمة الله , وقد كان صديقاً عزيزاً مقرَّباً إلى الوالد , كلٌ يعز الآخر ويقدِّره . وكان الشيخ دفع الله حمد النيل يأتي للوالد بنفسه كلَّما أراد بيع أرضٍ من أراضيه . ويبدو أن الشيخ دفع الله حمد النيل كانت له مودةٌ لأجدادي لاسيما جدي شيخ محمد . إلى جانب حبه للزراعة والأراضي فقد كان أبي أيضاً يحب تربية البقر منذ صغرنا , لكنه كان يكره الكلاب وتربيتها .

ياسين مبارك الفاضل
عضو نشيط

عدد المساهمات : 25
سجّل في : 28 يونيو 2008
العمر : 59
بلد الإقامة : المملكة العربيه السعودية_ الرياض ( الخرج )
الإسم الكامل : ياسين مبارك الفاضل

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

ذكريــاتٌ في حيــاتــي

مُساهمة من طرف ياسين مبارك الفاضل في الأربعاء يوليو 02, 2008 12:16 pm

تـــابع:


إنفتحت عيوني وأنا في " قطيةٍ " صغيرةٍ من قش النال الجميل . كل ما أذكره في طفولتي المبكرة أنني أصبت بالتهابٍ حادٍ في العينين أي ما يُسمَّى حالياً بالرمد عانيت منه معاناةً مُرَّةً وقاسية لم أعاني مثله في حياتي قط لدرجة أنني لم أكن أتحمَّل ضوء النهار دعك عن ضوء السِّراج الذي كان يعذِّبني ويؤرِّقني . وكان الظلام هو الوحيد الذي يريحني .

كنت مصدر تجاربٍ لكل أنواع الأدوية الطِّبية والبلدَّية دون جدوى لدرجة أنه فُقد الأمل في شفاي بعد " تفصيدي " وكدِّتُ أن أفقد بصري . كنت أحسُّ أن عينيَّ تقطران دماً لا دمعاً .

ظللت على هذا الحال فترةً تعرفها أمي لا أنا إلي ان جاءت لبيتنا ذات يومٍ إحدى الخبيرات العارفات تُدعى " النعمة بنت محمد صالح " عليها رحمة الله , ووصفت دواءً كان بلسماً وشافياً لعينيَّ . وقد كان ذلك الدواء عبارة عن بودرة بيضاء تُسمَّى " ششنة ". ولولا الله ثم تلك الخبيرة العارفة لأصبحتُ مثل طه حسين وأبي العلاء المعرِّي ضريراً مكفوفاً . كنت أسمع بين الحين والآخر أنَّ ما أصابني كان عيناً , لأننَّي حسب ما يقال عندما وُلدَّتُ كان لي حاجبان جميلان وعينان جذَّابتان . وقد علَّق صديقي العزيز الغالي أبو الأوفياء وصديق الجميع الأخ " كمال عوض الله " أطال الله عمره ومتَّعه بالصحة والعافية - علَّق مازحاً عند سماعه لتلك العبارة الأخيرة ( خلاص يا الفيس بريسلي ! ! ) والفيس بريسلي مطربٌ أمريكي اشتهر في الستينيات وأوائل السبعينيات من القرن الماضي , وكان على درجةٍ فائقةٍ من الوسامة والجمال .

من ذكريات طفولتي المبكِّرة تلك عندما كنت أحبو وربَّما قبل أن أمشي كانت لديَّ جزمة " باتا " صينية صغيرة كنت أحبها كثيراً ومتعلِّقاً بها أيَّما تعلَّق . كانت رائحتها لي بمثابة رائحة المسك والصندل . ومن ينعم بامتلاك جزمة " باتا " في تلك السن المبكِّرة , لا يعدو إلاَّ أن يكون طفلاً مدللاً . كانت لا تفارق قدميَّ ابداً حتى عند النوم , ولو نُزعت مِنِّي وأنا نائمٌ كنت أبكي وأنادي " غتَّاتي ........غتَّاتي " أي غطاي الذي أغطِّي به قدميَّ .

ولعل تلك الجزمة الباتا جعلتني أحرص أن تكون قدماي نظيفتين . وأذكر أن أمِّي عندما كانت تأخذني لبيت جدي الفاضل وجدتي عائشة والذي كان على بعد خطواتٍ من بيتنا , وكان بيتهم عبارة عن " قطية " كبيرة تُسمَّى " بيت الحور " أسفلها مبني من اللِّبن والطين وأعلاها من قش النال . وهكذا كانت سائر بيوت القرية من طراز بيتنا وبيت جدي , وكانت القرية تقريبا تخلو من بيوت الطين والطوب سوى بيت الشريف عمر يوسف الهندي الذي أصبح مُلكاً لود الكامل عليه رحمة الله بعد أن نزح الشريف عمر من القرية إذ كان البيت الوحيد المبني من الطوب الأحمر إن لم تخنِّي الذاكرة - كنت عندما تأخذني أمي لبيت جدي وجدتي , أذهب إلي الطاسة التي يشرب منها الدجاج والكتاكيت " بالراكوبة " فأغسل يديَّ ورجليَّ وقدميَّ بمائها وأعود أحبو على ركبتيَّ ومرفقيَّ رافعاً رجليَّ ويديَّ إلي أعلى حتى لا تتسخا , وعندما أُسأل " ما هذا ؟ " كنت أقول " كُرعيَّ مسلَّلات " أي " رجلاي مغسَّلات " .

ياسين مبارك الفاضل
عضو نشيط

عدد المساهمات : 25
سجّل في : 28 يونيو 2008
العمر : 59
بلد الإقامة : المملكة العربيه السعودية_ الرياض ( الخرج )
الإسم الكامل : ياسين مبارك الفاضل

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

شكرلمن أشادوا بذكريــاتي..

مُساهمة من طرف ياسين مبارك الفاضل في الأربعاء يوليو 02, 2008 7:56 pm

بسم الله الرحمن الرحيم

الأخوان : عمر محمد أحمد صديق / محمد الأمين أحمد محمد الحاج / الأمام الأمين الحسين .
الأبناء : محمد عبد الجبارأحمد إلياس / خالد إلياس أحمد إلياس / رشا عبد الجبار أحمد إلياس .
لكم التحــية والإجلال , شكراً على إشادتكم بذكرياتي , وأتمني أن أكون عند حسن ظن الجميع .
.


عدل سابقا من قبل ياسين مبارك الفاضل في الخميس يوليو 03, 2008 4:17 pm عدل 1 مرات

ياسين مبارك الفاضل
عضو نشيط

عدد المساهمات : 25
سجّل في : 28 يونيو 2008
العمر : 59
بلد الإقامة : المملكة العربيه السعودية_ الرياض ( الخرج )
الإسم الكامل : ياسين مبارك الفاضل

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

ذكريـــاتٌ في حيــاتي..

مُساهمة من طرف ياسين مبارك الفاضل في الخميس يوليو 03, 2008 10:56 am

تــــابع:
بعد أن زاد إدراكي وعرفت الناس من حولي صرت ميَّالاً ومحباً فقط لجدتي " آمنة العايدابية " شقيقة جدي الثاني شيخ محمد - عليها رحمة الله , والتي كان يناديها أجدادي بـِ " عمتَّي " ثم أصبح إسماً ملازماً لها تناقله أبي وكافة الأعمام والأحفاد . أمَّا أنا فقد كنت أناديها بـِ " عوَّتي " وكان العم عبد الرحمن عباس - أطال الله عمره - ابن عم أبي - كلَّما جاء إلى عندنا يقوم بتقليدي ومحاكاتي " عوتَّي ..... عوتَّي " ثم ينفجر ضاحكاً . كان شخصاً مرحاً لطيفاً يحب الضحك والمزاح وكان صديقاً عزيزاً لعمي عابدين الفاضل - أطال الله عمره - وأذكر أن العم عبد الرحمن عباس كان دائماً يترنَّم بأغاني الفنان " التاج مصطفى " عليه رحمة الله . وكنت وما زلت أحب العم عبد الرحمن عباس كثيراً .

تعلُّقي وحبِّي الشديد لجدتي آمنة خلق نوعاً من الغيرة الشديدة لكلٍ من جدتي " بت ستنا " وجدتي الثانية لأبي من أبيه " زينوبة بنت هاجيد " عليها رحمة الله - التي تربى والدي في كنفها ثم في ما بعد العم أحمد بابكر -أطال الله عمره - ابن عم أبي ثم أخيراً محمد بابكر - أطال الله عمره - شقيق أحمد بابكر . أمَّا أنا فلم أكن أميل إليها وكنت أهابها لبدانتها وظهرها المحدودب وشعرها الأبيض وعيونها الصغيرة الدامعة التي كنت أخالها كعيون الفيل , لذا انفصلت عرى المحبَّة بيننا تماماً . أمَّا جدتي " بت ستنا " فقد كانت تغضب عندما لا آتي إليها وتقول " خلاص العايدابية أخدتك منَّنا , أنا ما بدِّيك الروت ؟ ! " وكنت أقول للروب " الروت " وكانت الألبان متوفرةً في ذلك الأوان .

جدتي آمنة توفي زوجها وأبناؤها الثلاث فضمَّها جدي شيخ محمد إليه وفيما ما بعد ضمَّها جدي الفاضل بعد كبر والديه . كانت رفيعة ً, نحيلة ً, نشطة ً تحب الجروف و العمل فيها , وكانت طبَّاخة ً ماهرةً وإدامها لذيذ خاصةً المفروك منه إلاَّ أنها كانت تتعاطى التمباك " الصعوت " وكانت كريمة عين .

كنت لا أنام إلاَّ معها وكنت أمَّيز ثيابها من بين جميع الثياب برائحة الجروف واللوبيا وأتدثر بها .

كان هنالك جفوة وعدم إرتياح بين جداتي آمنة وزينوبة وما أدري إن كان ذلك بسبب رواسب قديمةٍ أم كنت أنا السبب في خلق تلك الجفوة , أم لأنَّ جدتي آمنة كانت واضحة ً وصريحة ً تنتقد كلَّ خطأٍ وكلَّ ما لا يعجبها دون موارةٍ .

من ذكريات الطفولة الأولى أن عمي خالد الفاضل -أمد الله في أيامه - والذي كنت أكبره بشهور كان يتمتع بصحةٍ طيبةٍ وعافيةٍ بينما كنت أنا هزيلاً نحيفاً . كان عمي خالد شقِّياً شريراً كثيراً ما يقوم بضربي فأذهب ألي أمي باكياً منتحباً , وعندما تسألني " من الذي ضربك ؟ " كنت أقول " دا ما خاتي " أي " هذا خالد " فتكفكف دموعي وتمسح خدِّي . أمَّا أنا فقد نشأت وسط أقراني وديعاً هادئاً لا أعرف عنفاً ولا شراً عكس أقران الحي تماماً الذين نمت مهابتهم بمرور الأيام والسنين وصاروا في مناوشاتٍ دائمةٍ بين أبناء الكاملاب وجعفر قسم وأحد أبناء ود المحبوب يُدعى عوض بحي الشايقية المجاور لحي العايداب .

ياسين مبارك الفاضل
عضو نشيط

عدد المساهمات : 25
سجّل في : 28 يونيو 2008
العمر : 59
بلد الإقامة : المملكة العربيه السعودية_ الرياض ( الخرج )
الإسم الكامل : ياسين مبارك الفاضل

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

ذكريــاتٌ في حيـــاتي

مُساهمة من طرف ياسين مبارك الفاضل في السبت يوليو 05, 2008 10:20 am

تابــع :

ممَّا أذكره أيضاً في طفولتي أننا صحونا ذات صباحٍ ووجدنا خلف " قطِّيتنا " حفرةً كبيرةً لاندري من أو ما حفرها , وكان في تلك الأيام مفهومٌ سائدٌ أن بعض الموتى يُطلق عليهم كلمة "بعَّاتة " يقومون من قبورهم ويأتون ليلاً لأهليهم وذويهم من أجل بعض المطالب , وكان هذا الشيء يرهبنا ويخيفنا - كمان كانوا يخيفوننا ونحن صغار بـِ " ود أم بُعُلُّو " الذي لا ندري ماهو وبـِ " الشكلوتة " عندما كبرنا والتي يُقال إنها تنزع لحم وجه الإنسان بأظافرها الحادة , لكننا ما رأينا " ود أم بُعُلُّو" ولا شاهدنا " شكلوتة " أو " بعَّاتي " طوال حياتنا . لكن هذه الأشياء كانت ترهبنا وتخيفنا كثيراً .

عندما صحونا الصباح وتجمَّعنا عند تلك الحفرة ذكر لنا أحد أفراد الحي - أعتقد أنه جدي بابكر شيخ محمد - أنه كان يسمع صوتاً طوال الليل ينادي " يوسف تعال ...... يوسف تعال " وفهمنا أن الذي حفر تلك الحفرة كان بعَّاتياً ربما كان ينادي لعمي يوسف الفاضل أمدَّ الله في أيامه فزادنا ذلك الحادث رهبة ً وخوفاً .

وقد أكَّد لنا العم عبد الرحيم بابكر أمدَّ الله في أيامه أنه في مساء ذلك اليوم تبع والدته زينب بنت ماجد عليها رحمة الله إلى مناسبة في الفريق الغربي لكنها ردَّته وعند عودته لفريقنا رأي خيالاً أبيضاً فركض بسرعة البرق نحو بيتهم ولم يفتح له أحدٌ الباب فركض إلي بيتنا ونادى لأمِّي مذعوراً ففتحت له باب " قطِّيتنا " فاندفع تحت أحد " العناقريب " وهو يلهث ويرتجف.

ومن ذكريات الطفولة أنني وأختي أسماء -أمدَّ الله في عمرها - صحونا ذات ليلةٍ ولم نجد أحداً في البيت سوانا فصرنا نبكي وفتحنا باب " القطِّية " وخرجنا , وسمعنا عمنا خالد الفاضل يبكي أيضاً فذهبنا وفتحنا له الباب . وكان قد نما إلي علمنا أن أهل القرية مجتمعون بمدرسة الأولاد الصغرى لمشاهدة عرض تثقيفي بالسينما المتجوِّلة فركضنا نحوها بسرعة البرق ونحن عرايا تماماً . ولم يكن أمراً معيباً أن يُرى طفلٌ وهو عريان في ذلك الزمان .

مما أذكره أيضاً في طفولتي أنني كلَّما ذهبت إلي منزل جدتي " بت ستنا " أجد خالي حامد يغسل ملابسه خارج القطِّية وكنت أحبه كثيراً ويحبني كثيراً , فما أن يراني حتى ينهض ويعطيني قرشاً فأركض في الحال إلى دكان العم " محمد على صالح " عليه رحمة الله وأقوم بشراء " حلاوة حربة " و " حلاوة عكَّاز " و " حلاوة جعبة سكينة " . أما خالي زين العابدين فقد كنت أهابه منذ صغري . كان يدرس بمعهد عبد الجليل العلمي وكان يُحضر كتباً كثيرةً في الإجازة وكان يحب القراءة والإطَّلاع والهدوء . أذكر ذات يومٍ بينما كان موجوداً كنت أحمل كأساً من الزجاج فسقط مني وتهشَّم , فنهرني بصوتٍ عالٍ " دا شنو؟ ! " فقلت مرعوبا ً " الكباية انصرطت " أي " الكباية انكسرت " .

كما أذكر فيما بعد وبعد دخوله جامعة القاهرة فرع الخرطوم كانت له عجلة " رالي " فخمة قام بشرائها له الخال حامد وكانت بمثابة سيارة " لكزس " أو " شبح مرسيدس " الآن . كان يقوم بإدخالها في " قطِّية " جدتي وكنت أنا معجباً ومشدوهاً بها , آتي قريباً منها وأتلذ َّذ برائحتها العجيبة .

ياسين مبارك الفاضل
عضو نشيط

عدد المساهمات : 25
سجّل في : 28 يونيو 2008
العمر : 59
بلد الإقامة : المملكة العربيه السعودية_ الرياض ( الخرج )
الإسم الكامل : ياسين مبارك الفاضل

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

ذكريـــاتٌ في حيــاتي

مُساهمة من طرف ياسين مبارك الفاضل في الأحد يوليو 06, 2008 9:39 am

تــابع:
لم تكن المواصلات الحديثة متوفرةً في ذلك الزمان سوى القطارات التي كانت تعمل بالفحم الحجري ثم البخار , واللَّواري التي كانت تعمل بالبنزين . كانت اللَّواري عندما تمر من أمام قريتنا على بعد أكثر من كيلومترٍ ونصف ٍ تنبعث رائحة البنزين قوية ً فواحة ً . كنا نحن الأولاد ننتعش لرائحتها , أما أختي أسماء وجدتي العايدابية فكان يسبب لهما تقيأ ً وصداعا ً .

لم أركب اللَّوراي ولم أغادر القرية قبل دخولي المدرسة الأولية إلا مرتين فقط : المرة الأولى عندما ذهبنا لجدي عبد الحفيظ بود العجيل لعزائه في زوجته الثانية " بت الطريفي " .

كل ما أذكره أن اللَّوري كان ممتلئا ً بالناس ورفضت أمي بشدَّة أن اصطحبها وصرت أبكي وأتعلَّق بالباب الخلفي للَّوري فقال لها خالي الحنون حامد " خليِّ يمشي " ورفعني بأعلى اللَّوري .

أما المرة الثانية لركوبي اللَّوري فقد كان عند زواج خالي حامد حيث كانت " السيرة " باللَّوري من القرية إلي مُشرع " شقدِّي " ثم عبرنا من الضفة الشرقية إلي الضفة الغربية بمعدِّيةٍ . لكن بعد عبورنا منع جدي الجاك إسماعيل الحاج عليه رحمة الله النساء من دق الدلوكة ونحن في طريقنا لمنزل العم حسن فقير عليه رحمة الله بجزيرة الفيل لوجود مأتم في الجزيرة , لا أذكر من المتوفى , لكن أمي احتدت معه ورفضن إيقاف دق الدلوكة .

عندما وصلنا إلي جزيرة الفيل بهرتني الحضارة . لم تكن هنالك بيوتٌ من القش , بل كانت كل البيوت إمَّا من الطين أو الطوب الأحمر , وكان الماء ينبعث من حنفيات , ولا يُحضر بأخراج ٍ وجيزان ٍ كما هو الشأن عندنا بالقرية , وكان ذلك شيءٌ غريبٌ مدهشٌ بالنسبة لي .

من ذكريات طفولتي الباكرة عندما تعود أمي مساءً من منزل جدتي " بت ستنا " إلي بيتنا ويكون الليل قد أرخى سدوله , حاملة ً إيَّاي عى كتفها كانت كثيرة الخوف خاصةً عندما تقترب من القمامة الواقعة بطرف الحي بالقرب من منازل " رزق الله " الملقَّب بـِ " أبو كليوة " عليه رحمة الله . كانت عندما تصل إلي ذلك المكان اسمعها تردد وتقول " بسم الله ...... بسم الله ..... بسم الله " .

وأذكر أن أمي قد كانت بجزيرة الفيل بمناسبة وضوع خالتي زينب مكة لابنتها الشفّة أطال الله أعمارهما , وعندما رجعت قابلتها جدتي الثانية لأبي من أمه " حسونة بنت علي " عليها رحمة الله . كانت كبيرة ً مسنَّة ًتتوكأ على عصاها وقد ضعف سمعها . عندما تقابلتا سألت جدتي أمي " بت زينب مكَّة سمُّوها منو ؟ " قالت لها أمي " سموها الشفّة " فتقول جدتي " الشطَّة ؟ "
فتعيد لها أمي الإسم " الشفّة " فتردد جدتي " الشطَّة ؟ " واستغرق الترديد زمناً طويلاً .

ياسين مبارك الفاضل
عضو نشيط

عدد المساهمات : 25
سجّل في : 28 يونيو 2008
العمر : 59
بلد الإقامة : المملكة العربيه السعودية_ الرياض ( الخرج )
الإسم الكامل : ياسين مبارك الفاضل

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

صفحة 1 من اصل 3 1, 2, 3  التالي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى